محمد بن جرير الطبري

12

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

عليه وسلم يقول : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " ما أحب أن لي الدنيا وما فيها بهذه الآية : يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ " الآية ، فقال رجل : يا رسول الله ، ومن أشرك ؟ فسكت النبي صلى الله عليه وسلم ، ثم قال : " ألا ومن أشرك ، ألا ومن أشرك " ثلاث مرات . وقال آخرون : نزل ذلك في قوم كانوا يرون أهل الكبائر من أهل النار ، فأعلمهم الله بذلك أنه يغفر الذنوب جميعا لمن يشاء . ذكر من قال ذلك : حدثني ابن البرقي ، قال : ثنا عمرو بن أبي سلمة ، قال : ثنا أبو معاذ الخراساني ، عن مقاتل بن حيا ، عن نافع ، عن ابن عمر ، قال : كنا معشر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم نرى أو نقول : إنه ليس شيء من حسناتنا إلا وهي مقبولة ، حتى نزلت هذه الآية أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلا تُبْطِلُوا أَعْمالَكُمْ فلما نزلت هذه الآية قلنا : ما هذا الذي يبطل أعمالنا ؟ فقلنا : الكبائر والفواحش ، قال : فكنا إذا رأينا من أصاب شيئا منها قلنا : قد هلك ، حتى نزلت هذه الآية إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ فلما نزلت هذه الآية كففنا عن القول في ذلك ، فكنا إذا رأينا أحدا أصاب منها شيئا خفنا عليه ، إن لم يصب منها شيئا رجونا له . وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال : عنى تعالى ذكره بذلك جميع من أسرف على نفسه من أهل الإيمان والشرك ، لأن الله عم بقوله يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ جميع المسرفين ، فلم يخصص به مسرفا دون مسرف . فإن قال قائل : فيغفر الله الشرك ؟ قيل : نعم إذا تاب منه المشرك . وإنما عنى بقوله إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً لمن يشاء ، كما قد ذكرنا قبل ، أن ابن مسعود كان يقرؤه : وأن الله قد استثنى منه الشرك إذا لم يتب منه صاحبه ، فقال : إن الله لا يغفر أن يشرك به ، ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ، فأخبر أنه لا يغفر الشرك إلا بعد توبة بقوله : إِلَّا مَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً . فأما ما عداه فإن صاحبه في مشيئة ربه ، إن شاء تفضل عليه ، فعفا له عنه ، وإن شاء عدل عليه فجازاه به . وأما قوله : لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ فإنه يعني : لا تيأسوا من رحمة الله . كذلك : حدثني محمد بن سعد قال : ثني أبي ، قال : ثني عمي ، قال : ثني أبي ، عن أبيه أب جد سعد ، عن ابن عباس . وقد ذكرنا ما في ذلك من الروايات قبل فيما مضى وبينا معناه . وقوله : إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً يقول : إن الله يستر على الذنوب كلها بعفوه عن أهلها وتركه عقوبتهم عليها إذا تابوا منها إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ بهم ، أن يعاقبهم عليها بعد توبتهم منها . القول في تأويل قوله تعالى : وَأَنِيبُوا إِلى رَبِّكُمْ . . . لا تُنْصَرُونَ . . . لا تَشْعُرُونَ يقول تعالى ذكره : وأقبلوا أيها الناس إلى ربكم بالتوبة ، وارجعوا إليه بالطاعة له ، واستجيبوا له إلى ما دعاكم إليه من توحيده ، وإفراد الألوهة له ، وإخلاص العبادة له ، كما : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله : وَأَنِيبُوا إِلى رَبِّكُمْ : أي أقبلوا إلى ربكم . حدثنا محمد ، قال : ثنا أحمد ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي وَأَنِيبُوا قال : أجيبوا . حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله : وَأَنِيبُوا إِلى رَبِّكُمْ قال : الإنابة : الرجوع إلى الطاعة ، والنزوع عما كانوا عليه ، ألا تراه يقول : مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وقوله : وَأَسْلِمُوا لَهُ يقول : واخضعوا له بالطاعة والإقرار بالدين الحنيفي مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذابُ من عنده على كفركم به . ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ يقول : ثم لا ينصركم ناصر ، فينقذكم من عذابه النازل بكم . وقوله : وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ ما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ يقول تعالى ذكره : واتبعوا أيها الناس ما أمركم به ربكم